الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
93
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ثم أشارت إلى جانب آخر من هذه القصة ، فقالت : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ومن هنا يتضح مقام آدم العظيم ، آدم الذي سجدت له الملائكة ، وأبدت هذه المخلوقات العظيمة احترامها إياه . كما أن عداوة إبليس تجلت له ضمنا من أول الأمر إذ لم يخضع لآدم ولم يعظمه . لا شك أن السجدة لا تعني السجدة الخاصة بعبادة الله ، ولا أحد أو موجود يستحق أن يكون معبودا من دون الله سبحانه ، وبناء على هذا فإن هذه السجدة كانت لله ، غاية ما هناك أنها كانت من أجل خلق هذا الموجود العظيم . أو أن السجدة هنا تعني الخضوع والتواضع . على كل حال ، فإن الله سبحانه تعالى أنذر آدم بقوله فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى . من الواضح أن الجنة هنا لا يراد منها جنة الخلود في العالم الآخر ، والتي هي نقطة تكامل لا يمكن الخروج منها أو التراجع عن نعيمها ، بل كانت بستانا فيه كل شئ مما في بساتين هذه الدنيا ، ولم يكن فيها نصب ولا غصة بلطف الله ، ولذلك فإن الله سبحانه قد أنذر آدم بأنك إن خرجت من هذا النعيم فإنك ستشقى . وكلمة " تشقى " من مادة الشقاء ، وأحد معانيها الألم والمشقة . سؤال : لماذا خاطب الله الاثنين معا - أي آدم وحواء - في بداية الأمر فقال : فلا يخرجنكما إلا أنه ذكر نتيجة الخروج بصيغة المفرد في شأن آدم فقط فقال : فتشقى ؟ والجواب هو : إن هذا الاختلاف في التعبير قد يكون إشارة إلى أن الآلام والأتعاب كانت تصيب آدم في الدرجة الأولى ، فإنه كان مأمورا بتحمل مسؤوليات زوجته أيضا ، وهكذا كانت مسؤولية الرجال من بداية الأمر . أو أن العهد لما كان من البداية على عاتق آدم ، فإن النهاية أيضا ترتبط به . ثم يبين الله لآدم راحة الجنة وهدوءها ، وألم ومشقة الخروج منها ، فيقول :